أخر الاخبار

من الحرم إلى الصعيد.. الشيخ “الجيلاني” المغربي الذي قاد ملاحم النيل وأباد أسطول نابليون




من الحرم إلى الصعيد.. الشيخ “الجيلاني” المغربي الذي قاد ملاحم النيل وأباد أسطول نابليون

 في عمق التاريخ العربي المشترك، تبرز صفحات منسية تجسد وحدة الدم والمصير؛ صفحات خطّتها دماء متطوعين عبروا البحار تلبية لنداء الواجب. ولعل أبرز هذه الملاحم ما شهده صعيد مصر إبان الحملة الفرنسية، بطلها عالم ومجاهد مغربي يُدعى الشيخ الجيلاني، والذي تحول ضريحه في محافظة “قنا” المصرية إلى شاهد حي على عمق الروابط التاريخية الممتدة بين المغرب ومصر.

مواقع ومبانٍ تاريخية

​تبدأ الحكاية من مكة المكرمة عام 1799 م؛ فبينما كان المسلمون يؤدون مناسكهم، هبط نبأ احتلال نابليون بونابرت لمصر كالصاعقة. سادت حالة من الذهول والغموض، بلغت حد قيام بعض الأهالي “بتعرية الكعبة” تعبيراً عن عظم الفاجعة وطلب اللطف الإلهي.


​في هذه الأجواء المشحونة، لم يقف الشيخ الجيلاني موقف المتفرج؛ بل اعتلى المنابر ووجه عتاباً لاذعاً للمعتمرين والحجاج: كيف يطيب للمسلم نسكٌ وأرضٌ مسلمة تُستباح من الغزاة؟


​نجحت خطابات الشيخ المغربي في تحريك القلوب، وشكّل في وقت قياسي جيشاً من المتطوعين الحجازيين والمغاربة والأفارقة، ثم ركبوا البحر الأحمر صوب مصر عبر ميناء القصير.


▪︎ ​عبقرية عسكرية: تنظيم الكتائب والقيادة العامة


​لم يكن الشيخ الجيلاني مجرد قائد روحي، بل أظهر حنكة تنظيرية وعسكرية لافتة في إدارة “جيش المتطوعين”؛ حيث قام بهيكلة الجموع على النحو التالي:


​الفوج الأول: ولى قيادته لابن أخته الشريف حسن، وأخيه الشريف طاهر.

​الفوج الثاني: تولى الشيخ الجيلاني قيادته بنفسه.


​نظام الكتائب: قسّم المتطوعين إلى مجموعات تنظيمية دقيقة تشبه كتائب الجيوش النظامية، ووضع على رأس كل مجموعة قيادة خاصة بها لضمان سلاسة التحرك والمناورة.
أدلة سفر وقصص الرحلات

​هذه المكانة الرفيعة والالتفاف الشعبي والقبلي الهائل حول “الرجل النبيل”، جعلت أمراء المماليك بمصر (بمن فيهم قوات مراد بك) ينضمون إليه في أغلب المعارك، بل وتنازلوا لقواده عن أمر “القيادة العامة” في بعض الملاحم تقديراً لخططه العسكرية الفذة ونزاهته.

▪︎ ​معركة البارود وإبادة أسطول نابليون


​نزل الشيخ الجيلاني بجيشه المنظم إلى أرض الصعيد، وتحديداً محافظة قنا، ليقود المقاومة في معارك طاحنة، أبرزها “معركة البارود” التاريخية (بقرية نجع البارود). هناك، واجه المجاهدون بصدور عارية الأسطول الفرنسي المحمل بالسلاح في نهر النيل، وتمكنوا من:

​إحراق وإغراق السفن الفرنسية المشاركة.

​إبادة وتدمير السفينة الحربية “إيطاليا”، وهي السفينة المفضلة والقيادية للجنرال نابليون بونابرت في النيل، مما شكّل صدمة عسكرية كبرى للاحتلال صُنفت كإحدى أكبر هزائم الحملة الفرنسية بمصر.

امتدت المعارك بعد ذلك وتوزعت في مناطق أخرى في الصعيد كقرى “أبو مناع” بمركز دشنا، مسجلةً بطولات وتضحيات جسام امتزجت فيها الدماء المغربية بالتراب المصري.

▪︎ ​الروايات الشفهية والتوثيق التاريخي


​رغم محاولات الوثائق الفرنسية المعاصرة تهميش خطورة دور هذا القائد، إلا أن المؤرخ المصري “الجبرتي” خلّد ذكره واصفاً إياه بالمغربي المجاور بمكة، واعتبر سنوات جهاده بالصعيد بأنها “أول سني الملاحم العظيمة”.
بحيرات وأنهار

​وفي العصر الحديث، تجلت هذه الحقائق بشكل أعمق من خلال الذاكرة الشعبية لأهل الصعيد؛ وهو ما أكدته شهادات وروايات أبناء القرى الذين استمع إليهم الباحث طه الجوهري في رحلته البحثية والاستقصائية عن الشيخ الجيلاني، حيث وثّق تواتر القصص بين الأجيال حول القيادة العامة للشيخ وانضواء المماليك تحت رايته.

​▪︎ مقامه في “قوص”.. شاهد على الأخوة


​استشهد الشيخ الجيلاني فوق أرض الصعيد بعد أن سطر ملحمته. واليوم، يتواجد مقام وضريح الشيخ الجيلاني في قرية حجازة بمدينة قوص (محافظة قنا)، حيث دُفن هناك بجوار مقام صديقه ورفيق دربه في الجهاد الشيخ المجاهد القاضي علي عبيد (قاضي الصعيد وكبير آل الشيخ بقرية حجازة قبلي).

​جاورا بعضهما في الدفاع عن الأرض، وتجاورت مقاماتهما اليوم كمعلم خالد يروي للأجيال قصة عالم ومجاهد مغربي ترك مكة ومناسكها، ليطوف بروحه شهيداً دفاعاً عن ثغور مصر.
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-