تميزت المرحلة الأولى من المقاومة المسلحة بالمقاومة في الجنوب والأطلس المتوسط والريف.
تاريخ المقاومة المغربية في عهد الاستعمار
شكَّل تاريخ المقاومة المغربية ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني فصلاً بطولياً في مسيرة الكفاح الوطني، حيث تصدى الشعب المغربي بكل فئاته ومكوناته للوجود الأجنبي منذ اللحظات الأولى للتغلغل الاستعماري. فقد بدأت المواجهات المسلحة قبل توقيع معاهدة الحماية سنة 1912، واستمرت بشكل متصاعد رغم التفاوت الكبير في موازين القوة والمعدات العسكرية بين المقاومين المغاربة والقوات الاستعمارية المدججة بالسلاح. امتدت المرحلة الأولى من المقاومة المسلحة من 1912 إلى 1934، تلاها تحول تدريجي نحو العمل السياسي المنظم الذي تركز في البداية على المطالبة بالإصلاحات ثم تطور إلى المطالبة الصريحة بالاستقلال ابتداء من 1944.
المقاومة المسلحة: دروس البطولة والتضحية
تميزت المرحلة الأولى من المقاومة المسلحة ببسالة فائقة في ثلاث مناطق رئيسية: الجنوب والأطلس المتوسط والريف. فبعد توقيع السلطان مولاي عبد الحفيظ على معاهدة الحماية في 30 مارس 1912، اندلعت المواجهة الشعبية العارمة رغم المحاولات الفرنسية لتهدئة الأوضاع عبر عزل السلطان وتعيين أخيه مولاي يوسف في 13 غشت من نفس السنة. استعمل المستعمرون أحدث الوسائل العسكرية وجندوا أبناء المستعمرات الأخرى، واعتمدوا على القواد الكبار الموالين لهم، لكنهم واجهوا مقاومة عنيفة قلبت حساباتهم.
في الجنوب، تزعم المقاومة أحمد الهيبة بن ماء العينين الذي سيطر على منطقة سوس بكاملها ووصل إلى مراكش في 18 غشت 1912، ليواجه الفرنسيين في معركة سيدي بوعثمان في 7 سبتمبر من نفس السنة. رغم الهزيمة التي لحقت به بسبب ضعف العتاد الحربي، واصل كفاحه حتى وفاته سنة 1919، ليتولى أخوه مربيه ربه قيادة المقاومة حتى 1934. وفي الأطلس المتوسط، برز القائد موحا أو حمو الزياني الذي قاد القبائل في مواجهة شرسة، حيث ألحق هزيمة نكراء بالقوات الفرنسية في معركة الهري في نونبر 1914، وظل صامداً في الجبال حتى استشهاده في 1921.
أما في الريف، فقد كتبت المقاومة بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي أروع صفحات الكفاح المغربي، حيث استطاع تنظيم مقاومة منظمة حققت انتصارات باهرة، أبرزها في معركة أنوال في يوليوز 1921 التي دمّرت الجيش الإسباني بقيادة الجنرال سيلفستر. نظّم الخطابي المناطق المحررة وأنشأ هياكل إدارية وعسكرية متطورة، مما دفع فرنسا وإسبانيا للتحالف ضدّه. استمرت المعارك الضارية من 1924 إلى 1926، لينتهي الأمر باستسلام القائد الريفي وتسليم نفسه للحفاظ على دماء المسلمين، ونفيه إلى جزيرة لاريونيون لمدة عشرين سنة.
التحول إلى النضال السياسي وتشكيل الحركة الوطنية
مع حلول سنة 1934، كانت الجيوش الفرنسية والإسبانية قد احتلت معظم المناطق المغربية، فبدأ تحول تاريخي في أساليب المقاومة مع بروز الحركة الوطنية التي اعتمدت الأسلوب السياسي والمطالبة بالإصلاحات. تألفت قيادة هذه الحركة من شباب متعلم ينتمي mostly إلى العائلات المتوسطة في المدن، تأثر بعضهم بالسلفية وبعضهم الآخر بالتعليم العصري في المدارس التي أنشأتها سلطات الحماية أو في الخارج. استفاد هذا الجيل من دروس المقاومة المسلحة وتبنى أفكار القومية العربية التي دعا إليها شكيب أرسلان.
شكل الظهير البربري الذي أصدرته سلطات الحماية في 16 ماي 1930 منعطفاً حاسماً، حيث أثار انتفاضة شعبية عارمة وتوحيداً وطنياً لم تشهده البلاد من قبل، فكان هذا الحدث بمثابة الشرارة التي أطلقت التنظيم السياسي الحديث. تصدرت الصحافة الوطنية المشهد بجرائد مثل "المغرب الكبير" في باريس سنة 1932 و"عمل الشعب" في فاس سنة 1933، كما بدأ الاحتفال بعيد العرش في 18 نونبر 1933 كرمز للترابط بين العرش والشعب.
تأسس أول تنظيم سياسي تحت اسم "كتلة العمل الوطني" سنة 1934، وقدم قادته "مطالب الشعب المغربي" التي طالبت بإحداث حكومة مغربية وأجهزة منتخبة، وتحديد دور الحماية في المساعدة والمراقبة فقط. لكن رفض السلطات الاستعمارية لهذه المطالب أدى إلى تقديم "المطالب المستعجلة للشعب المغربي"، وتصاعد الصراع الذي انتهى باعتقال عدد من القادة ومنع الأحزاب والجرائد. انقسمت كتلة العمل الوطني سنة 1937 إلى "الحركة القومية" بزعامة محمد بن الحسن الوزاني و"الحركة الوطنية لتحقيق الإصلاحات" بقيادة علال الفاسي التي أصبحت لاحقاً الحزب الوطني.
المطالبة بالاستقلال وثورة الملك والشعب
استفادت الحركة الوطنية من الظروف الدولية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة هزيمة فرنسا أمام ألمانيا النازية ونزول قوات الحلفاء بالمغرب سنة 1942 وعقد مؤتمر أنفا في الدار البيضاء سنة 1943 بين السلطان محمد الخامس والرئيس الأمريكي روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني تشرشل. في هذا المناخ العالمي المتغير، تقدمت الحركة الوطنية بخطوة تاريخية جريئة تمثلت في تقديم "وثيقة المطالبة بالاستقلال" في 11 يناير 1944، معلنة تحول المطالب من الإصلاحات إلى المطالبة الصريحة بإنهاء نظام الحماية.
أثارت هذه الوثيقة حماساً وطنياً عارماً، فردت سلطات الحماية بحملة قمع واسعة واعتقال زعماء الأحزاب الوطنية. في هذه الأثناء، توحد النضال السياسي مع نضال العمال في إطار "الاتحاد العام للنقابات المتحدة بالمغرب"، وبرزت إضرابات عمالية كبرى أشهرها إضراب عمال الفوسفاط بمناجم خريبكة سنة 1948. كما أسس محمد بن عبد الكريم الخطابي "لجنة تحرير المغرب العربي" في مصر لتنسيق العمل النضالي بين دول المغرب العربي.
تصدر السلطان محمد الخامس المشهد الوطني بمواقف شجاعة، حيث طالب خلال زيارته لفرنسا سنة 1945 بوضع حد لنظام الحماية، وأكد في خطابه التاريخي في طنجة سنة 1947 على وحدة المغرب الترابية وسيادته الكاملة. وفي سنة 1950، قدم مذكرة رسمية لفرنسا تطالب بوضع حد للحماية والانتقال إلى الاستقلال.
معركة الاستقلال وتحقيق السيادة الوطنية
تصاعدت المواجهة بعد فشل المحاولات الفرنسية لفصل السلطان عن الحركة الوطنية، حيث استغلت سلطات الحماية أحداث سنة 1952 للقيام بحملة قمع واسعة أسفرت عن استشهاد آلاف المغاربة في مظاهرات الدار البيضاء وحدها. بلغت المؤامرة الاستعمارية ذروتها عندما تحالفت الإقامة العامة مع بعض القواد الكبار وزعماء الطرق الدينية مثل الكلاوي وعبد الحي الكتاني لنفي السلطان محمد بن يوسف في 20 غشت 1953 وتعيين محمد بن عرفة بدلاً منه.
رفض الشعب المغربي هذا الانقلاب، واندلعت "ثورة الملك والشعب" التي جمعت بين المقاومة المسلحة السرية والاحتجاجات الشعبية العارمة. تشكلت النواة الأولى لجيش التحرير، واستهدف المقاومون المنشآت الاستعمارية والشخصيات المتعاونة مع المستعمر. حظيت القضية المغربية بتأييد واسع في المحافل الدولية، خاصة من الجامعة العربية وحركة عدم الانحياز، مما دفع فرنسا للتفاوض مع السلطان وقادة الحركة الوطنية في إيكس ليبان.
توجت هذه المسيرة النضالية الطويلة بعودة السلطان محمد الخامس من المنفى في 1955، وتوقيع اتفاقية الاستقلال مع فرنسا في 2 مارس 1956، ثم مع إسبانيا في أبريل من نفس السنة. استكمل المغرب وحدته الترابية باسترجاع طرفاية سنة 1958، وسيدي إفني سنة 1969، والأقاليم الجنوبية عبر المسيرة الخضراء المظفرة سنة 1975. وهكذا، كتب الشعب المغربي بقوته ووحدة صفوفه ملحمة خالدة في سجل الكفاح التحرري العالمي.
