أخر الاخبار

صلاح الدين الأيوبي يطلب عون المغاربة لتحرير القدس

صلاح الدين الأيوبي يطلب عون المغاربة لتحرير القدس

هناك أكثر من شاهد تاريخي يؤكد أن يعقوب المنصور الموحدي هب لنجدة صلاح الدين وأنه بذل وسعه في سبيل نصرته، وأول ما يستوقف الراغب في تحقيق هذه المسألة التي شغلت بال المؤرخين، الاستقبال الذي خص به يعقوب المنصور سفراء صلاح الدين، فلو أنه نقم على الناصر عدم مناداته بأمير المؤمنين لما أكرم سفيريه ابن منقذ وابن حمويه، ولما أجزل لهما العطاء، ولابن منقذ قصيدة بديعة في مدح المنصور كان مما قال فيها :


سأشكر بحرا ذا عباب قطعته
إلى بحر جود ما لأخراه ساحل
إلى معدن التقوى، إلى كعبة الندى
إلى من سمت بالذكر منه الأوائل
إليك أمير المؤمنين ولم تزل
إلى بابك المأمول تزجى الرواحل
قطعت إليك البر والبحر موقنا
بأن نداك الغمر بالنجح كافل

صلاح الدين الأيوبي يطلب عون المغاربة لتحرير القدس
ومن المستبعد أنه كان سينظم مثلها لو أن سفارته لم تحقق أهدافها، وقد أثبتت بعض المصادر التاريخية أن المنصور رد على سفارة صلاح الدين بسفارة مماثلة وأنه بعث إليه ابن عبد ربه الحفيد في مهمة لم تعرف طبيعتها، لكن من غير المعقول أن يتجشم عناء إرسال وفد من أعيان بلاطه ليخبره برفض طلبه، إن الأدلة على وجود جنود مغاربة إلى جوار الناصر أكثر من أن تحصى، ولعل أهمها قيام الملك الأفضل ابن صلاح الدين الأيوبي بوقف البقعة المعروفة بحارة المغاربة على المغاربة سنة 1193م، عرفانا منه بمجهودهم في الدفاع عن المشرق الإسلامي، وما تزال الكثير من الأوقاف المسجلة باسم المغاربة هنالك تشهد على الحضور القوي للعنصر المغربي في صد الحملات الصليبية، فقد كان الدفاع عن البلاد الإسلامية أهم داعي لهجرتهم إلى تلك الديار، ومن الجدير بالذكر هنا أن الرحالة ابن جبير أشار في رحلته الشهيرة إلى أن مشارقة الحجاز ومصر كانوا يتداولون في منتدياتهم أحاديث تنص على أن الخلاص سيكون على يد الموحدين، وهذا الكلام وإن كان يطغى عليه الطابع الخرافي إلا أنه يوضح المكانة التي كان يحظى بها المغاربة في نفوس المشارقة، خاصة بعد أن رأوا بلاءهم في تحرير المقدسات الإسلامية، بقي أن نضيف أن أهل الشام أقاموا للملك المنصور الموحدي مشهدا بالقرب من دمشق للتبرك به، وهذا لا يكون إلا لرجل رسخت محبته في القلوب وكما قال الشاعر:

والناس أكيس من أن يمدحوا رجلاً
حتى يروا عنده آثار إحسان

نماذج من بطولات المغاربة

تكاد الإفادات عن الدور الذي قام به المغاربة في صد الحملات الصليبية في عهد الناصر تنعدم في المصادر المغربية، وهذا أمر مستساغ، فالمسافة بين المغرب ومعترك الأحداث في الشرق يومها بعيدة ووسائل الاتصال لم تكن تسمح بأكثر من شذرات عما يدور بالشام ومصر مما لا يشبع نهم المؤرخ ولا يحرك همته للتأليف، وهكذا فما كتبه المشارقة في هذا السياق وإن كان لا يفي بالغرض ولا يقدم صورة مفصلة عن طبيعة المهام التي أسندت للمغاربة، إلا أنه ينير العتمة التي لفت دورهم في إجهاض الحملات الصليبية نسبيا، ومن المصادر التي اهتمت بتاريخ المغاربة في تلك الحقبة «الروضتين في أخبار الدولتين» لأبي شامة الدمشقي، وكتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ و»السلوك لمعرفة دول الملوك» للمقريزي وغيرها.

عند فتح حصن الأحزان، نعثر على إشارة في رسالة كتبها القاضي الفاضل نيابة عن صلاح الدين إلى أحد الوزراء ببغداد يشيد فيها بدور المغاربة وبلائهم في معارك عكا وفي الحصار الذي ضربه قائد الأسطول المصري حسام الدين لؤلؤ على بيت المقدس، وتصف المصادر التاريخية المغاربة بأنهم كانوا كلما رأوا لهم مركباً، غنموه؛ أو شانياً، أخذوه،

وهكذا ستبرز أسماء مغربية لامعة في مجال الجهاد البحري الذي عرف عن المغاربة أنهم كانوا أسياده بلا منازع، ومن هذه الأسماء نجد عبد السلام المغربي الذي وصفه ابن الأثير بالشجاعة، والذي قام بدور هام في حصار صور، وقد بلغ اندفاعه حد التهور، إذ سيسقط أسيرا بيد العدو وسيعتبر رفاقه فقدانه خسارة فادحة، ويشير العماد الأصفهاني إشارة واضحة إلى أهمية العنصر المغربي في جيش صلاح الدين، فأثناء حصار الجيوش الإسلامية لمدينة عكا سنة 587 ه/ 1191 م، جاء رسول من قبل أحد قادة الصليبيين ومعه أسير مغربي، فقدمه إلى السلطان صلاح الدين على سبيل الهدية، فاستُقبل الأسير بحفاوة وتقدير. إن القائد الصليبي حسب هذه الإفادة يدرك أهمية المغاربة بالنسبة للناصر، فقد كان لهم دور كبير في بناء أساطيله وتدريب رجاله على معارك البحر، وحسبنا هنا أن نذكر أن الناصر بناء على ما ورد في رحلة ابن جبير قد جعل المسجد الكبير المنسوب إلى أبي العباس بن طولون مأوى للغرباء من المغاربة يسكنونه ويحلقون فيه، وأجرى عليهم الأرزاق في كل شهر و جعل أحكامهم إليهم، ولم يجعل يداً لأحد عليهم، حيث قدموا من أنفسهم حاكماً يمتثلون أمره ويتحاكمون في طوارئ أمورهم عنده.

وسنعثر على إشارة أخرى لا تقل أهمية عما تقدم، أثناء هجوم القائد الصليبي رينو الشاتيوني، صاحب حصن الكرك على الحجاز، إذ جهز المراكب وشحنها بالرجال وآلات القتال، وقطع طريق التجار وشرع في القتل والنهب والأسر، ثم توجه إلى أرض الحجاز فأعطى أخ الناصر الإشارة إلى الأساطيل المصرية كي تتحرك، ويصف ابن جبير استعداد المصريين لصد هجمات رينو فيقول إنهم «عمروا المراكب بالرجال البحرية ذوي التجربة من أهل النخوة للدين والحمية مع أنجاد من المغاربة البحريين».

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-